أحمد بن محمد القسطلاني
315
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
غفورًا } ولأبوي ذر والوقت والأصيلي { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } إلى قوله : { عفوًّا غفورًا } . 1 - باب الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ ( باب ) سنّة ( الوضوء قبل الغسل ) بفتح الغين وضمها على ما سبق ، وإنما قدّم الوضوء على الغسل لفضل أعضاء الوضوء ، ولا يحتاج إلى إفراد هذا الوضوء بنيّة كما قاله الرافعي بناء على اندراجه في الغسل زاد في الروضة . قلت : المختار أنه إن تجردت جنابته عن الحدث نوى بوضوئه سُنَّة الغسل ، وإن اجتمعا نوى به رفع الحدث الأصغر ، وقال المالكية : ينوي به رفع حدث الجنابة عن تلك الأعضاء ولو نوى الفضيلة وجب عليه إعادة غسلها . 248 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ . [ الحديث 248 - طرفاه في : 262 ، 272 ] . وبه قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي ( قال : أخبرنا مالك ) الإمام ( عن هشام ) هو ابن عروة ( عن أبيه ) عروة بن الزبير بن العوام ( عن عائشة زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) . ( أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا اغتسل ) أي إذا أراد أن يغتسل ( من الجنابة ) أي لأجلها فمن سببية ( بدأ فغسل يديه ) قبل الشروع في الوضوء والغسل لأجل التنظيف مما بهما من مستقذر أو لقيامه من النوم ، ويدل عليه زيادة ابن عيينة في هذا الحديث عن هشام قبل أن يدخلهما في الإناء رواه الترمذي ، وزاد أيضًا ثم يغسل فرجه وكذا لمسلم وهي زيادة حسنة لأن تقديم غسله يحصل به إلا من مسّه في أثناء الغسل ، ( ثم يتوضأ ) ولأبي ذر ثم توضأ ( كما يتوضأ للصلاة ) ظاهره أنه يتوضأ وضوءًا كاملاً وهو مذهب الشافعي ومالك . وقال الفاكهاني في شرح العمدة : وهو المشهور ، وقيل يؤخر غسل قدميه إلى ما بعد الغسل لحديث ميمونة الآتي إن شاء الله تعالى ، وللمالكية قول ثالث وهو إن كان موضعه وسخًا أخّر وإلا فلا ، وعند الحنفية إن كان في مستنقع يؤخر وإلاّ فلا ثم إن ظاهره مشروعية التكرار ثلاثًا وهو كذلك ، لكن قال عياض : إنه لم يأت في شيء من وضوء الجنب ذكر التكرار ، وقد قال بعض شيوخنا إن التكرار في الغسل لا فضيلة فيه . وأجيب : بأن إحالتها على وضوء الصلاة تقتضيها ولا يلزم من أنه لا فضيلة في عمل الغسل أن لا تكون في وضوئه ، ومن شيوخنا من كان يفتي سائله بالتكرار وكان غيره يفتي بتركه قاله أبو عبد الله الأبي . ( ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها ) أي بأصابعه التي أدخلها في الماء ( أصول شعره ) أي شعر رأسه كما يدل عليه رواية حماد بن سلمة عن هشام يخلل بها شق رأسه الأيمن ، فيتبع بها أصول الشعر ثم يفعل بشقه الأيسر ، كذلك رواه البيهقي وللمستملي والحموي أصول الشعر بالتعريف والحكمة في هذا تليين الشعر وترطيبه ليسهل مرور الماء عليه ويكون أبعد من الإسراف في الماء . وفى المهذب يخلل اللحية أيضًا ، وأوجب المالكية والحنفية تخليل شعر المغتسل لقوله عليه الصلاة والسلام " خللوا الشعر وأنقوا البشرة فإن تحت كل شعرة جنابة " ( ثم يصب على رأسه ثلاث غرف ) من الماء ( بيديه ) استدل به على مشروعية التثليث وهو سُنّة عند الشافعية كالوضوء فيغسل رأسه ثلاثًا بعد تخليله في كل مرة ثم شقّه الأيمن ثلاثًا ثم شقه الأيسر ثلاثًا ، وقال الباجي من المالكية : والثلاث يحتمل أنها لما جاء من التكرار وإنها مبالغة لإتمام الغسل إذ قد لا تكفي الواحدة ، وخصّ الشيخ خليل الثلاث بالرأس ، وقوله : غرف جمع غرفة بالضم وهي ملء الكف ، وللأصيلي غرفات وهي الأصل في مميز الثلاثة لأنه جمع قلة فغرف حينئذ من إقامة جمع الكثرة موضع القلة أو أنه جمع قلة عند الكوفيين كعشر سور وثماني حجج ، ( ثم يفيض ) عليه الصلاة والسلام أي يسيل ( الماء على جلده كله ) أكده بلفظ الكل ليدل على أنه عمّ جميع جسده بالغسل بعدما تقدم ، وفيه دلالة على أن الوضوء قبل الغسل سُنّة مستقلة ولا يفهم منه الدلك وهو مستحب عند الشافعية والحنفية والحنابلة ، وأوجبه المالكية في المشهور عندهم ، وقيل : واجب لا لنفسه ، واحتج ابن بطال للوجوب بالإجماع على وجوب إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها ، فيجب ذلك في الغسل قياسًا لعدم الفرق بينهما . وأجيب بأن جميع من لم يوجب الدلك أجازوا غمس اليد للمتوضئ من غير إمرار فبطل الإجماع وانتفت الملازمة . ورواة هذا